موقع المجلس في النظام السياسي اللبناني
إن النظام السياسي اللبناني كما يحدده الدستور، هو نظام برلماني يتمتع فيه مجلس النواب، منذ فجر الاستقلال، بموقع مميز، لكونه يستمد سلطته من الشعب مباشرة بواسطة الانتخابات، ولكونه شكّل عبر تاريخه ـ وما يزال ـ ملتقى للحوار الوطني بين الطوائف والتيارات الحزبية والعقائدية على أنواعها، والمكان المميز الذي تصاغ فيه الخيارات الوطنية للبلاد، وبدا مجلس النواب، منذ ذلك التاريخ صمام الأمان للنظام السياسي التوافقي، والصانع الأول للحياة السياسية اللبنانية، وقد مارس دوراً أساسياً في حل المشاكل الاجتماعية وتسوية الصراعات السياسية التي عصفت بالبلاد. وباستثناء حالات نادرة، كان ولوج باب المجلس شرطاً أساسياً لولوج الحياة السياسية في لبنان.
وغدا المجلس النيابي، بسبب طبيعة تكوينه وصلاحياته، جسراً لا يمكن تجاوزه بين الحكومة والمجتمع المدني. ويعترف الجميع بهذا الدور المعطى للمجلس النيابي. والنقاش الذي يدور حالياً حول دور المجلس النيابي وموقعه يتناول بصورة خاصة الوسائل التي يجب أن يمتلكها المجلس ليساهم أكثر بتطوير الحياة الديموقراطية في البلد وبالإدارة الرشيدة للأموال العامة وبتصويب المسار في ممارسة الشؤون العامة. وفي هذا الإطار يتمتع المجلس النيابي بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة تغطي جوانب الحياة العامة كافة وهو يصنع القوانين التي تحكم الدولة بأسرها، وهو يراقب العمل الحكومي ويصوّب توجهاته. بالإضافة إلى هذه الوظائف التشريعية والرقابية والتمثيلية، يمارس مجلس النواب دوراً تقريرياً في نشوء السلطات الأخرى. فالمجلس ينتخب رئيس الجمهورية كما تؤدي الاستشارات النيابية إلى تكليف من يشكل الحكومة الجديدة ولا تحكم الحكومة قبل نيلها ثقة المجلس.
كما يشارك المجلس في تعيين نصف أعضاء المجلس الدستوري ونصف أعضاء المجلس الوطني للإعلام. وينتخب سبعة أعضاء من أصل 15 عضواً يتألف منهم المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. ويعبر العمل البرلماني بقوة عن التطورات والتغيرات الحاصلة في الحياة العامة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأن مجلس النواب هو المؤسسة الأكثر ارتباطاً بالجمهور والانفتاح عليه حيث تدور مناقشاته على تنوعها في مناخ من الشفافية والعلنية مقارنة بما هو قائم في مواقع أخرى معنية بالشأن العام. ويكتشف الناظر لهذا العمل البرلماني التشريعي كم هذه الأوضاع حاضرة في التشريعات الصادرة عن المجلس النيابي في جميع عقوده. ويشهد مجلس النواب منذ مطلع التسعينات ورشة عمل متواصلة أدت إلى إحداث تطورات هامة في الإدارة البرلمانية وهي الأداة الأساسية لتحسين العملية التشريعية. وهذا التراكم المعرفي في آليات العمل وأساليبه وأدواته جعل من مجلس النواب مؤسسة برلمانية رائدة، تتطلع إليها البرلمانات العربية الناشئة للاستفادة من خبراتها.
ونظراً لأهمية هذا الدور وتأثيره في الحياة العامة وحياة الناس، ارتأى دولة الرئيس نبيه بري إصدار هذا التقرير ليلقي المزيد من الضوء على أعمال المجلس ونشاطاته في العام 2003، وهي عديدة ومتنوعة وواعدة.