اقسام مشروع الخطة الوطنية لحقوق الانسان

E-1-التوصيات القطاعية-استقلال القضاء

30 تشرين الأول, 2011

خامساً: التوصيات القطاعية

 

 

يعد مبدأ إستقلال القضاء من أكثر المبادىء أهمية في مجال حماية حقوق الإنسان، إذ يشكل الملاذ الأخير والأكثر ضمانة لإحقاق الحقوق والإنصاف للمظلومين مدنياً وجزائياً، سواء تجاه الأشخاص الآخرين أو ضد الدولة ذاتها. والجهاز القضائي هو الرقيب الأشد فاعلية وحياداً في الرقابة على الإجراءات الخاصة بالتحري، بما فيه الإعتقال والإحتجاز والمعاملة الإنسانية، ومن ثم كفالة جميع حقوق المحاكمة العادلة، دونما تمييز، بما فيها حقوق الدفاع والإستئناف والتمييز، كما تحددها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

فلا يستقيم النظام الديموقراطي اليوم بدون سلطة قضائية مستقلة تجسّد العدالة وترسيها على القواعد القانونية بعيداً عن نوازع السلطة وتأثيراتها المختلفة. ولا دولة قانون ما لم تكن السلطة القضائية هي وحدها المرجع لتفسير القانون وتطبيقه بحياد تام وفق مقاييس ومعايير موضوعية.

 

I-     الواقع القانوني

 

أولاً: التشريعات الدولية

صدرت على الصعيد الدولي، إتفاقيات وإعلانات وتوصيات عدّة ترمي إلى تكريس المبادئ الأساسية المتعلّقة باستقلال السلطة القضائية والإجراءات الآيلة إلى التنفيذ الفاعل لتلك المبادئ، فضلاً عن تحديد دور المحامين والنيابات العامة في هذا الصدد، باعتبار أنّ القضاء المستقلّ هو الركيزة الأساسية لضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان ولدعم مسيرة التنمية والإصلاح الشامل والديموقراطية.

نذكر في هذا المجال العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وضع معايير لتحقيق اسقلال القضاء باعتباره الجهة المسؤولة عن ضمان تلك الحقوق وتطبيق وتجسيد العدالة، المؤتمرين المعقودين في بيروت عام 1999،   والقاهرة عام 2003 "لدعم وتعزيز استقلال القضاء".

وتتمحور المواثيق الدولية في ما يتعلق باستقلالية القضاء حول مواضيع استقلالية القضاة الشخصية والتقريرية المؤسساتية ، ا لصلاحية الواضحة وال فاع لة للمحاكم وصلاحية إعادة النظر بالقرارات القضائية ، تأمين ا لموارد المناسبة للقضا ة، توفير التدريب المناسب والمتواصل ، ضمانة الولاية الدائمة ، التنفيذ العادل والفاعل للأحكام ، حرية القضاة بالتعبير والإنتظام في نقابة ، إعتماد المؤهلات الملائمة والإختيار الموضوعي والشفاف في عملية تعيين القضاة ، وضع نظام للتأديب القضائي موضوعي وشفاف وعادل وف اع ل وقواعد الأخلاق المهنية القضائية، وجوب تصريح القضاة عن دخلهم وممتلكاتهم ، إعتماد ضوابط عليا للسلوك القضائي ، إدارة المحاكمة و إ جراء الأعمال القضائية بصورة موضوعية وشفافة ، قدرة كلّ من القضاة والعموم على ا لوصول إلى المعلومات القانونية والقضائية .

 

 

 

ثانياً: التشريعات الداخلية

 

أ- الدستور اللبناني

تضمّنت الفقرة (هـ) من مقدمة الدستور اللبناني والمواد 19 و20 و80 منه أحكاماً تتعلّق بمبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، وبحفظ الضمانات اللازمة للقضاة والمتقاضين، وباستقلال القضاة، وبصدور القرارات والأحكام من قبل المحاكم بإسم الشعب اللبناني.

كما أنشأ الدستور بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الإنتخابات الرئاسية والنيابية و قَصَر الحق في مراجعته على أشخاص معينين فقط، دون المواطن.

كذلك نص الدستور على إنشاء مجلس أعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، يتكون من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أرفع القضاة رتبةً، ويصدر قرارات التجريم من المجلس الأعلى بغالبية عشرة أصوات.

 

ب- القوانين والنظم العادية

-         ا لقرار رقم 1905 تاريخ 12/5/1923 المتعلّق بإنشاء المجلس العدلي.

-         القرار رقم 186/ل.ر. تاريخ 15/3/1926 الذي يتضمّن أصول تعيين القاضي العقاري .

-         ق انون الجمارك .

-         قانون التنظيم القضائي الصادر بال مرسوم رقم 7855 لسنة 1961 .

-         القانون الصادر بالمرسوم 7855 تاريخ 16 /10/ 1961 .

-         قانون القضاء العسكري الصادر في 13 /4/ 1968 وتعديلاته.

-         القانون رقم 10434 المتعلق بتنظيم مجلس شورى الدولة تاريخ 14 /6/ 1975 وتعديلاته.

-         قانون القضاء العدلي الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 150 تاريخ 16 /9/ 1983 .

-         المرسوم رقم 1937 تاريخ 16 /11/ 1991 ال متعلّق بتحديد صلاحية النيابة العامة المالي ة.

-         قوانين الكنائس الشرقية .

-         قوانين الطوائف الإسلامية .

 

II-       الوضع الراهن في لبنان

 

أولاً: الصعوبات على صعيد المحاكم

تُظهر المحاكم في لبنان على اختلاف صلاحياتها تقصيرها في تحمّل المسؤولية الواقعة على عاتقها وذلك كالآتي:

‌أ-         المجلس الدستوري

بعدما أصدرت الهيئة الأولى للمجلس عدداً من القرارات المتضمّنة إبطال القوانين والعمليات الإنتخابية، جاءت الهيئة الثانية للمجلس تظهر تسييساً أكثر للقرارات؛ وازداد تطويق المجلس بإلغاء الشفافية من أعماله بحيث عُدِّل قانون المجلس لمنع تسجيل المخالفات ونشرها. كما عُدِّلت أصول تعيين أعضاء المجلس بحيث أصبح للسلطة التشريعية إمكانية التدخل في تسمية أعضائه.

 

‌ب-     المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء

 رغم تنظيم هذا المجلس وتحديد أصول المحاكمة لديه، لم يقم حتى اللحظة بأيّ مبادرة تنفيذية بحكم تكوينه ومرجعيته السياسيّين مما يترك الإنطباع بتقصير السلطة القضائية عن مكافحة الفساد في إدارة الحكم.

 

‌ج-      مجلس شورى الدولة

 رغم الإنطباع الإيجابي من حيث الشكل عن عمل هذه الهيئة القضائية من حيث صلتها بحقوق المواطنين في وجه الإدارة، إلا أن السؤال يُطرح عن مدى خضوعها للسلطة السياسية (مثلاً: قرار التعويض عن إقفال الكسارات).

 

‌د-        المجلس العدلي

 يكتسب المجلس العدلي إختصاصه من مرسوم الإحالة الذي تصدره الحكومة، ويتمّ تعيين المحقق العدلي بقرار من وزير العدل؛ وقد أظهر الواقع العملي تدخّل السلطة السياسية في عمله من حيث فتح الملفات أو إحالتها على المجلس؛ فضلاً عن كونه محكمة استثنائية، وبعد أن كانت قرارات المجلس لا تخضع لأيّ طريق من طرق المراجعة، أصبحت منذ فترة تخضع للاعتراض وإعادة المحاكمة ولكن ضمن شروط مقيّدة.

 

‌ه-        الهيئة العامة لمحكمة التمييز

 ضيّق إجتهاد الهيئة العامة من مفهوم الخطأ الجسيم، مُعطِّلاً بذلك شكلاً من أشكال المراجعة القضائية أمامها.

كذلك، فإن صلاحية الهيئة العامة في الإعتراض على قرار مذهبي أو شرعي قابل للتنفيذ بحسب المادة 95 من قانون أصول المحاكمات المدنية محصورة قانوناً في مخالفة الإختصاص أو النظام العام ولا تشمل مخالفات القانون الأمر الذي يترك قضاء الأحوال الشخصية بعيداً من هذه الرقابة .

 

‌و-       ديوان المحاسبة

هو هيئة استشارية تابعة لسلطة الحكومة، ولم يؤخذ بتوجيهاته وتوصياته والتقارير المهمة التي أصدرها عن مخالفات الإدارة.

 

‌ز-       المحاكم الإستثنائية

 في مجال القضاء العسكري ما زال القانون يتيح محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية التي لا تتمتّع بالضمانات القضائية اللازمة، ولا تعلّل قراراتها، الأمر الذي يجعلها خارج مفهوم الرقابة القانونية على عمل القضاء. كما تمارس محاكم إستثنائية، كمحكمة المطبوعات، صلاحيات ينبغي أن تخضع لمحاكم جزائية عادية تخضع أحكامها للإستئناف.

 

‌ح-      القضاء الطائفي

هو قطاع قضائي خاص ومستقل، خارج عن معايير المحاكمة العادلة بمفهومها الحديث وعن أيّ رقابة حقيقية؛ فرقابة الهيئة العامة لمحكمة التمييز تقتصر على الإخلال بالإختصاص وبالصيغ الجوهرية والنظام العام.

 

ثانياً: الضمانات والحقوق

 

‌أ-      ضمانات القضاة

إنّ المعايير والأصول المستخدمة في إدارة المرفق القضائي، لاسيّما لجهة التشكيلات والمناقلات والترقيات، لا تحمي القضاة من مداخلات السلطة التنفيذية ولا تعطيهم الشروط اللازمة لحصانتهم.

ففي حين تكرّس القوانين العادية التي تت ّ صل بتنظيم القضاء استقلال القضاء نظرياً ، إلا أنّها ت ُ خضع ه في المقابل للسلطة التنفيذية لاسيّما لجهة تشكيل هيئاته وتعيين أعضائه و مناقلاته م وترقياتهم . وإذا كان إعداد التشكيلات واقتراحها يدخل ضمن اختصاص مجلس القضاء الأعلى، بحيث تكون التشكيلات نهائية وملزمة بعد التصويت عليها ب أ كثرية سبعة من أعضا ئه، إ لا أن تلك التشكيلات لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة وزير العدل - رغم الممارسات الإيجابية لوزراء العدل في الحقبة المعاصرة والذين يكتفون بالإحالة إلى مجلس الوزراء دون تعديل-   ولا تصدر إلا بموجب مراسيم صادرة عن السلطة التنفيذية. ذلك عدا عن أنه إذا كان الدستور اللبناني يكرّس استقلال القضاء، إلا أنّه يُحيل مسألة الضمانة المتوافرة للقضاة والمتقاضين إلى القوانين العادية التي كانت ت صدر قبل إنشاء المجلس الدستوري في ظل ّ غياب الرقابة الدستورية، وتشكّل انحرافا ً خطيرا ً عن الضمانات التي تؤكد استقلال القضاء . لكن حتى بعد إنشاء المجلس الدستوري الذي كان من بواكير عمله إصدار قرار يتعلق بإبطال القوانين المخالفة لمبدأ استقلال القضاء ؛ لم يتم الطعن بعدم دستورية القوانين لعمل القضاء مما جعل بعضها غير منسجم مع المبادىء ا لمكرّسة في الدستور.

 

‌ب-        ضمانات المتقاضين

 تُشكّل الشفافية في عمل القضاء ورقابة الفقه والمناقشة العلميّة شكلاً من أشكال الرقابة على عمل القضاء، وبالتالي ضمانة للمتقاضين. أما على صعيد الممارسة العمليّة، فيضيّق إجتهاد المحاكم سبل الإعتراض على العمل القضائي من رد أو تنحي أو ارتياب مشروع أو مسؤولية الدولة عن أعمال قضاتها.

كما إن المادة 95 من قانون التنظيم القضائي التي أعطت مجلس القضاء الأعلى سلطة إعلان عدم أهلية القاضي لم تمارس ولا مرة واحدة رغم الشكاوى العديدة المقدمة بوجه قضاة .

أما مجلس التأديب فهو لا يصدر قرارات تأديبية إلا نادراً وكان آخرها قرار جرى إبطاله أمام مجلس شورى الدولة .

 

‌ج-   الإختناق القضائي

المحاكمة في لبنان بطيئة إلى حدّ يؤثر على فكرة العدالة عينها، فهو يشكل أحد مظاهر الإستنكاف عن إحقاق الحق ، بحيث تتراكم الملفات لدى بعض الهيئات القضائية ويتعذّر إنجازها. وحتى بعض صدور الأحكام، فإن ضرورة وضعها قيد التنفيذ في دوائر التنفيذ المختصة من شأنه عرقلة سير العدالة.

‌د- العدالة والقوانين

تشكّل القوانين التي تتعلق بمضمون الحقوق مشكلة أساسية من مشاكل العدالة في لبنان ذلك أنّ الحقوق العامة على أنواعها للمواطنين لا يمكن الدفاع عنها من قبل الأفراد بصفتهم مواطنين ما لم يكن لهم مصلحة شخصية ومباشرة، وكذلك الأمر بالنسبة للهيئات المدنية أو الجمعيات الأهلية، ناهيك عن الرسوم القضائية الباهظة في لبنان في عدد من الأحيان التي تعترض تقديم الدعاوى.

 

III-          التوصيات

 

يشكل وجود سلطة قضائية مستقلة ركيزة أساسية للنظام الديموقراطي القائم على مبدأ الفصل بين السلطات . إن السلطة القضائية بمفهومها الحديث هي عنصر التوازن الأساسي والمرجع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالقضاء الدستوري يشكل أداة الرقابة على السلطة التشريعية، كما أن القضاء الإداري أداة الرقابة على السلطة التنفيذية . أما القضاء العدلي، بفروعه المختلفة، فهو حامي الحريات وضامن جميع الحقوق بين المواطنين وبينهم السلطات السياسية .

لذلك فإن التوصيات هي التالية:

1.       تشكيل هيئة دستورية ذات شخصية معنوية تتمتع بالإستقلال المالي تكون المرجع الوحيد للإشراف على أعمال القضاء وتأمين حسن سير العمل فيه، وتكليف مجلس القضاء الأعلى إعداد نظام هذه السلطة واقتراح التشريعات الضرورية لهذا التنظيم بهدف :

2.       جعل السلطة القضائية المرجعية الوحيدة لتنظيم شؤون القضاء الداخلية من تعيينات ومناقلات وترقيات وتأديب، على أن تتم هذه الإجراءات بناءً على معايير موضوعية وواضحة، مع منع نقل بعض كبار القضاة كالرئيس الأول لمحكمة التمييز ورئيس مجلس شورى الدولة والنائب العام لمحكمة التمييز ومفوض الحكومة لدى مجلس شورى الدولة ورئيس هيئة التفتيش القضائي، إلا بناءً على طلبهم أو بعد موافقة لجنة خاصة من وزارة العدل تدعيماً لمواقعهم ولاستقلالهم عن السلطة التي سمّتهم.

3.       تفعيل وتطوير نظام التفتيش والمراقبة في وزارة العدل على عمل القضاة وتوسيع نطاق المراجعة الهادفة الى مساءلة الدولة عن أعمال قضاتها .

4.       تعزيز الأوضاع المادية والمعنوية للقضاة وحمايتهم من التعرض المادي والمعنوي والتشدد في ملاحقة كل أشكال التدخل في عمل السلطة القضائية .

5.       إنشاء هيئة مهنيّة للجسم القضائي هدفها الدفاع عن حقوقه ومطالبه ولممارسة نوع من الحماية بوجه التدخلات السياسية، تُعنى بطرح مشاكل العمل القضائي وتقترح لها الحلول .

6.       إصدار قانون بوجوب إلغاء القضاء العسكري وحصره في القضايا المسلكية والتأديبية للعسكريين دون أن يشمل اختصاصه المدنيين، على أن تتألّف المحاكم العسكرية من قضاة عدليين وليس من ضباط عسكريين.

7.       إلغاء محكمة المطبوعات بموجب قانون يصدر عن مجلس النواب، على أن ُيناط النظر بجنح المطبوعات للقاضي المنفرد الجزائي، وجنايات جرائم المطبوعات لمحكمة الجنايات وتكون أحكامها قابلة للإستئناف.

8.       توسيع مفهوم المصلحة المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية لتشمل المصلحة العامة للجمعيات والمؤسسات في تحريك الدعوى العامة .

9.       اعتماد وتفعيل الوساطة والتحكيم للمحاكمات ذات المبالغ الصغيرة لتسريع عمل القضاء والحد من الإكتظاظ القضائي في المحاكم.

10.   جعل القضاء المدني القضاء المختص في تطبيق قانون الأحوال الشخصية لكل طائفة إلى حين اعتماد قانون مدني موّحد يراعي معايير حقوق الإنسان.

11.   تعديل قانون المجلس الدستوري لتوسيع حق المراجعة أمامه وتأمين العلنية والشفافية ونشر المخالفات في قراراته وإطلاق حق الدفع بعدم دستورية القوانين أمام القضاء العادي.

12.   فصل القضاء المالي الإداري عن سلطة الحكومة .

13.   حصر قضاء التنفيذ في معاملات الأسناد وإيلاء المحاكم سلطة تنفيذ أحكامها .

14.   تقريب التقاضي من فكرة المجانية والحد من الرسوم والأعباء المالية الباهظة .

15.   تفعيل المحاسبة القانونية لأصحاب المسؤوليات السياسية ) قانون المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وقانون الإثراء غير المشروع) و تحديد المجالات التي لا يعفى فيها الوزراء والنواب من الملاحقة.