بعد الآن، يا صديق الصوت، سوف لا يبقى بيننا النداء فأخرج إلى تلتي في “المصيلح” وتخرج أنت إلى تلتك في “المعمارية” ونتحادث.
سوف لا يرن هاتف صوتك ولا يرن هاتف صوتي بنداء “يا سامعين الصوت” حتى نجيب بعضنا بعضا بالنداء نفسه ثم نتناجى عن شغفنا بالأرض وبالناس.
بعد الآن سوف لا تحمل حمامة “وادي الحجة” بريد الشعر منك الى جهات الارض. سوف لا تترك، ايها الجنوبي الصميم، وصايا جديدة محفورة على حجر المطر محروسة برموش القمر: أن لا تتأخروا في صوتكم فيذوب حضوركم في الصدى وان لا تتأخروا في مقاومتكم فتقعوا في الاحتلال وان لا تتأخروا في رنتكم فتندثروا وتصيروا رمادا للمواقد.
بعد الآن، يا جار الرضى، سوف لا تناولني كلمة السر، فأراني أبقى وحيداً في ظلام الكلام المراوغ وسوف لا يهتف لي صوتك كي أبارح هذا الدجى الذي يشتد على لبناننا ويشتد على سوريا.
بعد الآن، يا جوزف، سوف تنتهي غربتك، سوف لا تبقى متصوّفاً في عرزالك الذي شيّدته بظل القصر في “المعمارية”. سوف تتوقف عن الهجرة لتعود مع البلابل والحساسين في أول الربيع.
الآن وأنت تضحك من موتك سوف تندبك النادبات وسوف تغسلك القرى، فلا تجد على جسدك سوى الشعر فتدفنك بلباسك كما يدفن الشهداء وتذهب الى جنتك كما يذهب الشهداء، وانت تحمل كتابك بيمينك وعلى غلافه اسوارة العروس: الجنوب.
بعد الآن، سوف نؤجل أحزاننا كما أردت لنا دائماً، سوف نبارك بالأبطال الذين ينسكب دمهم في الحواكير ويلون شقائق النعمان، والأبطال الذين يقرأون في نهج البلاغة ويكتبون من الشعر أحسنه. وسوف نعترف كم كنت عاشقاً وكم كنت مولعاً بالقمح والنساء والأزهار وكم كنت شاعراً.
بعد الآن تعود، يا جوزف، كمشة من تراب في “المعمارية” في بيت القرية المكان الذي أحببت.
وها انت تعود ليس كما المرات السابقة من غزوات الكلام، والنار تحمل أشعارك في كف وروحك في الكف الأخرى تعود رماد أغنية فيروزية الاصداء، تعود نصا نحمله حجاباً على زنودنا نحن الجنوبيين، فيرد عنا صيبة عيون الحاسدين وسهام الشر.
بعد الآن، ايها العازف المنفرد الذي قبلت استثناء لأجل الجنوب ان تجاري المهرجان، بعد الآن سوف نجعلك مقررا دراسيا في مدارسنا، سوف نجعل أولادنا يحفظون اشعارك عن ظهر قلب من اجل ان نضمن انهم يحفظون الطريق الى الوطن ويحفظون سيادته، وسوف نعمر وجدك شهيا في اجسادنا.
بعد الآن، سوف لا أبحر في الحديقة الى السياج لأنظر الى شرفتك، كي لا أرى حزنك كيف ينزف كشلال الى الوادي، ولأرى طهرك كيف يصعد من تلتك الى سمائنا، ولأراك وانت تتأمل نحلة تقبل زهرة، لأراك وانت تسرح في اغفاءة قليلة كطفل في نومك وتكتب في نومك ثم توصد تابوتا على بعض الكلمات الميتة وتدفنها وتقوم بنا الى الحياة الكثيرة.
بعد الآن، بعد جوزف حرب سوف نفتقد القصيدة الانيقة التي ترتدي كامل لغتها المرهفة التي تطفئ حاجتنا الى الاحساس بوجودنا، القصيدة التي نشربها كالماء من يدنا من عين الحرية.
وبعد جوزف حرب، الوطن سوف ينقصه شيء. سوف ينقصه من يضع مفهوما موحدا للوطن والمواطن والمواطنية والعاصمة والحدود… والمقاومة سوف ينقصها من يمنح لغتها الحياة ومن يقول الالتزام في حضرتها.
أخيراً، يا جوزف، وقد أخذت “المحبرة” الى استراحتها، فإننا لن نجد حبراً كافياً لوداعك، وجلّ ما سوف ننتبه إليه الآن أن الشاعر عمارة من ناس يعيشون فيه حياتهم، أفراحهم وأحزانهم، يكتبهم ويكتب لهم وطنا ومنازل ومدارس واشجارا وعصافير، ثم يأخذون في الموت والتناقص واحدا واحدا، حاسة حاسة حتى المسامات الاخيرة والرمق الأخير فيلفظ ابياته الاخيرة ويموت.
إلى اللقاء جوزف حرب أوراقاً في تراب المقاومة.
رئيس مجلس النواب
الجمهورية اللبنانية















