رزنامة الأحداث

الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

محاضر جلسات

كلمة الوزير فؤاد السنيورة في الجلسة العامة لمناقشة

22 كانون الثاني, 2003

كلمة الوزير فؤاد السنيورة في الجلسة العامة لمناقشة موازنة العام 2003 بتاريخ 22/1/2003.


 

دولة الرئيس ،

السادة النواب ،

 

" تقف الحكومة اليوم أمام مجلسكم الكريم لمناقشة الموازنة العامة . إنه موعد دستوري ، ومناسبة محورية لمراجعة التطورات الاقتصادية والمالية والاجتماعية ، وللتداول بالسياسات والإجراءات الواجب اعتمادها ، والتوجهات التي تقترحها الحكومة ، والاستماع إلى وجهات نظر المجلس النيابي بشأنها .

تقدر الحكومة الجهود المبذولة من قبل لجنة المال والموازنة ، وتثني على روحية الحوار الحيوي والبناء ، والمناقشات التي جرت . وقد تعاطت وزارة المالية معها بتفهم وموضوعية . ودلت تلك الحيوية في المناقشات على أهمية المسائل المطروحة للبحث ، بما في ذلك المشاريع الإصلاحية التي طرحتها الحكومة في مشروع الموازنة ، والإجراءات التي أقبلت الحكومة على تنفيذها منذ العام 2001 ، ولا شك أن الحوار الذي جرى ويجري مع المجلس الكريم يضع المسائل في أفقها الصحيح ، ويدفعنا جميعاً للعمل من أجل حاجة اقتصاد البلاد ومستقبلها .

 

دولة الرئيس ،

 أيها السادة النواب ،

 

أتت الموازنة هذا العام مكملة في سياستها وإجراءاتها لما أقره مجلسكم الكريم في قانون موازنة العام 2002 من إجراءات وإصلاحات . فقد نجحت الحكومة في تحقيق الأهداف المتوخاة منها وأنجزت ما التزمت به أمام المجلس النيابي :

· لقد تعهدت الحكومة خفض العجز في الموازنة والالتزام بأرقامها ووفت بوعدها فأتت الإيرادات والنفقات مطابقة تماماً للتوقعات وأتى العجز في حدود ما كان ملحوظاً في الموازنة . ومن أجل تحقيق هذه الأهداف قامت الحكومة بإصلاحات مالية جذرية خلال العام المنصرم كإدخال الضريبة على القيمة المضافة التي كان قد أقرها مجلسكم الكريم والتي حققت نجاحاً فاق التوقعات إن من حيث الإيرادات ، أو بتأثيرها المحدود على نسب التضخم وأيضاً بالنسبة العالية للالتزام الضريبي من قبل المكلفين . وتمكنت الحكومة أيضاً ، كما وعدت من تحويل العجز في الميزان الأولي في الموازنة  إلى فائض ، كما حققت انخفاضاً في نسبة العجز الإجمالي ، وهو ما كان موضع ثناء من الخبراء الاقتصاديين والمؤسسات الدولية والدول الشقيقة والصديقة .

· وتعهدت الحكومة أيضاً بالمحافظة على الاستقرار المالي والنقدي والتزمت به بالرغم من الضغوط الكبيرة والتحديات التي واجهها لبنان خلال العام المنصرم على مختلف الأصعدة . فقد بقيت نسبة التضخم محدودة رغم إدخال الضريبة على القيمة المضافة. كما استقر سعر صرف العملة الوطنية وارتفعت الودائع المصرفية أكثر من 7 % وتراجعت معدلات الفوائد مع نهاية العام بنسب كبيرة وصلت بنتيجتها إلى معدلات هي الأقل منذ أكثر من عشرة أعوام .

كما أنجزت الحكومة أيضاً جزءاً كبيراً من الإجراءات الواردة في برنامجها الاقتصادي خلال العامين المنصرمين والتي التزمت بها أمام مجلسكم الكريم ، ومن ضمنها تعزيز الانفتاح الاقتصادي الذي توجته اتفاقية الشراكة الأوروبية المتوسطية ، التي وقعت في حزيران الماضي وأقرها مجلسكم الكريم في شهر كانون الأول من العام المنصرم .

· والتزمت الحكومة أيضاً بالعمل على إنعاش الوضع الاقتصادي بما في ذلك دعم القطاعات الإنتاجية من خلال آليات الإقراض المعتمدة ، حيث ازداد حجم القروض المدعومة بأكثر من 730 مليار ليرة خلال العامين المنصرمين ، ومن ضمنها القروض الممنوحة عبر المؤسسة الوطنية للإسكان . وهكذا تم تحقيق نمو اقتصادي يفوق وفق أكثر التقديرات تحفظاً نسبة 2 % في العام 2002 ، وأنقلب حال ميزان المدفوعات من عجز بحدود 1200 مليون دولار أميركي في العام 2001 الى فائض بحدود 1500 مليون دولار أميركي في نهاية العام 2002 .

 

 

دولة الرئيس ،

السادة النواب ،

 

ارتكزت موازنة العام 2003 على مسلمات تم التوافق عليها من قبل جميع المعنيين وتعكس بالفعل مطلب الجميع بدون استثناء . فالكل يتمنى تحاشي زيادة عجز المالية العامة . والجميع يطمح إلى وقف تنامي حجم الدين العام ، والكل يسعى لتحقيق نمو مستدام  . ويتطلب ذلك كله السير بجد وعزيمة على مختلف المسارات التي سبق وأن حددتها الحكومة . فالطريق إذاً واضحة والمعادلة معروفة . وهي بتخفيض الإنفاق ، وزيادة الإيرادات ومعالجة مشكلة تنامي الدين العام وتعزيز الانفتاح والنمو الاقتصادي وحفز الخطوات الإصلاحية في الاقتصاد والمالية العامة وزيادة الإنتاجية في مختلف القطاعات الاقتصادية واستمرار العناية بالشأن الاجتماعي . لكن طريق التنفيذ شاقة ووعرة تتطلب جرأة وتصميماً على خلفية الإدراك والوعي لأهمية المرحلة والمثابرة في متابعة العمل الجاد ، الذي لا ننكر انه موجع آنياً ولكنه يبقى السبيل الأفضل لوضع البلاد على المسار الاقتصادي السليم .

لقد ذهبنا إلى مؤتمر باريس – 2 ، متسلحين بالإنجازات التي تحققت خلال العامين المنصرمين بفضل جهد الحكومة ، ودعم المجلس النيابي ، وإرادة اللبنانيين في النهوض . ذهبنا إلى مؤتمر باريس-2 برؤية اقتصادية ومالية الذي جرى تداوله منذ شهر آب الماضي على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية في البلاد . وما كان للبنان أن يحظى بهذا التأييد والدعم الدولي في مؤتمر باريس ، لو لم يتأسس ذلك على ما تم إنجازه والالتزام  بالاستمرار به أمام الشعب اللبناني . ولهذا فإن الحرص على السير فيما بدأنا به وأنجزناه وما ينبغي علينا الاستمرار في القيام به من إصلاحات مالية واقتصادية هو حرص على الصدقية أمام اللبنانيين بالدرجة الأولى كما وأمام أشقائنا وأصدقائنا وأمام المجتمع الدولي .

هكذا فإن مشروع موازنة  العام 2003 لم يأت بشكل مفاجئ ولا بالمصادفة ، بل جاء – كما سبق ذكره – استمراراً لما تم إنجازه في ضوء المسارات التي اختطتها الحكومة . أتى هذا البرنامج لتلبية حاجات المواطنين ورغبتهم في أن تقوم الحكومة بمعالجة مشكلة المالية العامة . كما حث ممثلو الشعب الحكومة على اعتماد الإجراءات الآيلة إلى الخروج من هذا النفق الاقتصادي والمالي وطالبوا الحكومة بالعمل على معالجة مشكلة المالية العامة وزيادة معدلات النمو والسعي إلى تحفيز الاستثمار لإيجاد فرص عمل جديدة ، وعلى رفع مستوى معيشة المواطنين . ومن هنا كان الحرص لدى الحكومة على حفز النمو ، وعلى اعتبار الشأن الاجتماعي أولوية في كل ما قمنا ونقوم به وهو ما يظهر جلياً في موازنة العام 2003 .

 

دولة الرئيس ،

أيها السادة النواب ،

 

 إن للموازنة العامة للدولة دوراً أوسع وأشمل من مجرد عمليات حسابية يجري فيها تجميع الإيرادات والنفقات .

بل هي تؤدي دوراً محورياً في صوغ التوجهات الاقتصادية والمالية ، ولها دور كبير في توجيه المقدرات والإمكانات المادية والبشرية المتاحة في الاقتصاد وتطويرها ودفعها في الاتجاهات  التي تسهم في تحقيق مردود اقتصادي واجتماعي أفضل لتلك الموارد .

إن هذه الرؤية للموازنة وأدوارها وضعتنا أما خيارين :

 - الأول : الركون إلى إنجازات العام 2002 مكتفين بذلك القدر من الإصلاح ، علماً بأن ذلك قد يبدو مريحاً على المدى القصير وربما أقل تعريضاً للانتقاد والاعتراض وأكثر شعبية ، ولكنه حتماً غير كاف ، ولا يفي بالغرض إزاء التطورات الاقتصادية والمالية والسياسية محلياً وعالمياً ، والمخاطر التي تنطوي عليها تلك التطورات .

 - والثاني : السير حثيثاً في تعميق مسيرة الإصلاح لتحصين البلاد ومسيرتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية في خضم تحولات جارية على مختلف الأصعدة تزداد حدةً يوماً بعد يوم .

وقد اعتمدنا عند إعداد الموازنة الخيار الثاني لأن واجبات الدولة تقتضي النظر إلى الحاضر ، كما إلى المستقبل المتوسط والبعيد وليس الاكتفاء بتلبية المتطلبات الآنية . ثم إن عليها التحسب لتلك للمخاطر والتحولات .

إن ما نصبو إليه من وراء ذلك كله هو أن تشكل هذه الموازنة قاطرةً للإصلاح الاقتصادي والمالي وبوصلة وإطاراً له ، كما نهدف عبر هذه الإصلاحات ، والتي قد تحتاج إلى مزيد من الجهد والتضحيات والتضامن من حولها ، توسيع الخيارات لدى الاقتصاد ولدى اللبنانيين وزيادة هامش التحرك في الموازنة لجهة تفعيل أكبر لإدارة السياسة الاقتصادية والمالية والاجتماعية بما يرسخ الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي.

 

هناك من جهة إذاً التحديات البارزة التي نواجهها. وهناك من جهة أخرى الفرص المستجدة التي أتاحتها نتائج باريس-2 وما تلاها والتي تتطلب منا جميعاً التضامن والتكاتف لنتمكن من تعظيم الاستفادة الحالية والمستقبلية من هذا المؤتمر وبالتالي في تحقيق الأهداف المتوخاة، المتعلقة بالمالية العامة وبالاقتصاد وبنموه وبإنتاجيته وتنافسيته وجاذبيته للاستثمار وبمصالح المواطنين وبفرص العمل الجديدة المتاحة لهم وبالتالي من مستوى معيشتهم.

 

لقد توفرت للبنان فرصة للخروج من الدوامة الصعبة بفضل جهود أبنائه ودعم المجتمع الدولي. ولن يقبل المواطنون منا أن نتقاعس عن اتخاذ الإجراءات الضرورية مهما تكن التباينات أو الخلافات في وجهات النظر، ومهما كانت المصالح الآنية والسياسية قوية ومتجذرة. ونصب أعيننا الآن أمران وحسب : تحصين مستقبل أجيالنا وحماية المصلحة العامة وصونها.

 

إن المجهود الذي كان ينبغي بذله بالأمس، كان يمكن أن يغنينا عن جزء غير يسير من التضحيات المطلوبة منا اليوم، وتضحيات اليوم تنجينا من تعثرات الغد، بل تؤمن المستقبل الأفضل لأولادنا ولوطننا، وهذا واجب وهدف علينا أن نضعه جميعاً في أعلى مراتب الأولويات.

 

دولة الرئيس ،

أيها السادة النواب ،

 

هناك ثلاث مسائل جرى حولها نقاش كثير في الأسابيع الماضية :

 

 - المسألة الأولى السياسة الضريبية كما يعرضها وينبني عليها مشروع الموازنة. وبدون الخوض في التفاصيل الواردة في تقرير وزير المالية، أرى أننا سائرون نحو المزيد من العدالة الضريبية من طريق الاتجاه لاعتماد الضريبة الموحدة على الدخل المحقق في لبنان، ومن طريق جدليات العلاقة بين العدالة والمساواة بين المواطنين.

 

 - والمسألة الثانية السياسة الاجتماعية . والأمر هنا واضح تماماً. فهناك صون  كامل للشأن الاجتماعي . بل وتطوير إيجابي له. ويكون علينا أن نحرص أكثر على تنمية وتحسين مردودية الإنفاق على الشأن الاجتماعي وليس على زيادة الإنفاق، وهو ما ل انستطيعه في الظروف الراهنة ، فتتحقق النتائج الأفضل دون ترتيب المزيد من الأعباء على الاقتصاد وعلى المواطنين.

 

 - والمسألة الثالثة البنود الإصلاحية في مشروع الموازنة، والتي لم نتفق بشأن الكثير منها مع الإخوة النواب في لجنة المال والموازنة. والحقيقة أننا محتاجون إليها رعاية للجوانب الأخرى من الاقتصاد والمالية العامة، ورعاية لقدرتنا على تعزيز الإنتاجية، والنمو، وبالتالي تعزيز مستوى معيشة المواطنين وكذلك رعاية لقدرة الدولة على توجيه الشأن العام وتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي والنقدي والاجتماعي.

 

إن الذي يدفعني لتكرار التأكيد على ضرورات الإصلاح، والسير قدماً فيه هو الالتزام تجاه اللبنانيين، وتجاه المجلس الكريم. نحن نحس بوجع جميع المواطنين، الذين لولا تضحياتهم لما كنا اليوم في هذا الموقف الإيجابي. وإحساسنا بذلك هو الذي يدفعنا للسير في هذا الطريق الذي شققناه طوال السنوات الماضية، رعاية للحاضر وللمستقبل.

 

ان هواجس المواطنين تتمحور حول تحقيق مستوى أفضل من العيش الكريم وتأمين مستقبل أولادهم وإيجاد فرص عمل تتلاءم مع إمكاناتهم وطموحاتهم. وإننا على ثقة بأن السياسة الإصلاحية التي نتبعها هي الكفيلة بإيصالنا إلى ما يصبو إليه المواطنون وهي كفيلة أيضاً بتحفيز الاستثمار، مما يوفر فرص عمل جديدة تؤمن مستقبلا ًأفضل لأولادنا وتوسع قاعدة الاقتصاد الوطني عامة.

 

إن علينا اليوم باعتبارنا جماعة وطنية واحدة، معنية بحاضر البلاد ومستقبلها ان نتوافق على البرنامج المقترح بجوانبه الإجرائية والإصلاحية. فنحن ماضون قدماً باتجاه خطوات إصلاحية في الاقتصاد والمالية العامة من شأنها تعزيز النمو وخفض العجز وزيادة مردودية الإنفاق الاقتصادية والاجتماعية وزيادة إنتاجية القطاع العام وبالتالي الاقتصاد الوطني ككل، وتحقيق مستوى أفضل من العدالة الضريبية حتى نستطيع أن نحقق مستوى أعلى من العدالة الاجتماعية، وفتح لأفق مستقبل اقتصادي واعد للمواطنين وللوطن.

 

إن توافقنا اليوم مع المجلس الكريم هو توافق على التضامن الوطني، وتوافق على الالتزام الوطني، وتوافق على إنجاز واجب أخلاقي وسياسي يتوقف عليه حاضر المواطنين ومستقبلهم، واستقرار البلاد وازدهارها .